03 فبراير 2026

أعادت معطيات طبية وحقوقية حديثة تسليط الضوء على ملف الاعتداء الجنسي على الأطفال في الجزائر، بعد الكشف عن أرقام مرتفعة تعكس حجم ظاهرة لا تزال محاطة بالصمت الاجتماعي والخوف من الوصم، رغم خطورتها وتداعياتها العميقة على المجتمع.

وأفاد مسؤولون في المركز الاستشفائي الجامعي مصطفى باشا بالعاصمة الجزائرية أن مصلحة الطب الشرعي تسجل سنويا أكثر من 300 حالة اعتداء جنسي على قاصرين، وهو رقم وصفه مختصون بالخطير خصوصا أن هذه المعطيات تخص مؤسسة صحية واحدة تعد الأكبر على المستوى الوطني.

وأوضح رئيس مصلحة الطب الشرعي بالمستشفى، رشيد بلحاج، أن عدد الحالات المسجلة يتراوح بين 320 و334 حالة سنويا، ما يثير تساؤلات حول الحجم الحقيقي للظاهرة على المستوى الوطني، في ظل محدودية التبليغ وبقاء عدد كبير من الاعتداءات خارج الإحصاءات الرسمية.

وفي موازاة ذلك، تحدثت الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل عن تسجيل أكثر من 9 آلاف اعتداء جنسي على الأطفال سنويا، فيما أشارت تقديرات مؤسسة ترقية الصحة إلى نحو 2000 حالة كل عام، يشكل الأطفال ما يقارب 90 في المئة من ضحاياها.

وتشير بيانات الطب الشرعي إلى أن غالبية المعتدين من الرجال، وأن الضحايا يعرفون الجناة في معظم الحالات، سواء من المحيط الاجتماعي القريب أو داخل الأسرة.

كما أظهرت الإحصاءات أن الاعتداءات تقع غالبا في أماكن عامة معزولة أو داخل منازل المعتدين، فيما سجلت نسب أقل لحالات تمت تحت التهديد أو تأثير المخدرات.

ورغم خطورة هذه الوقائع، تؤكد الجهات الطبية أن أغلب الضحايا يلتزمون الصمت، إذ لا يفصح إلا عدد محدود من الأطفال عما تعرضوا له.

وتشير المعطيات إلى أن واحدا فقط من كل عشرة أطفال يثق بوالدته لإبلاغها بما جرى، بينما تلجأ عائلات كثيرة إلى إخفاء الجريمة، خصوصا في الحالات التي تترتب عليها تبعات اجتماعية جسيمة، مثل الحمل لدى القاصرات.

وفي هذا السياق، حذر مختصون في علم النفس من الآثار النفسية طويلة الأمد للاعتداء الجنسي على الأطفال، مؤكدين أن الفئة الأكثر استهدافا تتراوح أعمارها بين ثماني و12 سنة، وأن غياب المتابعة النفسية يحوّل الصدمة إلى عبء دائم يلازم الضحايا طوال حياتهم.

وأكدت الاختصاصية النفسية نور الهدى قراد أن التردد في التبليغ عن الجرائم الجنسية يعد من أخطر العوامل التي تفاقم معاناة الأطفال، داعية إلى ترسيخ ثقافة الإبلاغ باعتبارها مسؤولية قانونية وأخلاقية.

وأشارت إلى أن الأطفال لا يعبرون دائما بالكلام المباشر، ما يستدعي استخدام وسائل بديلة كالرسم والقصص لبناء الثقة وكشف ما تعرضوا له.

وأوضحت أن التطور التقني ساعد على تجاوز إشكالية التشكيك في أقوال الأطفال، إذ يسمح قانون حماية الطفل في الجزائر بتوثيق جلسات الاستماع سمعيا وبصريا بحضور مختص نفسي، تفاديا لإعادة استجواب الضحية وتعريضها لصدمة إضافية.

وتكشف هذه الأرقام، سواء تلك المسجلة داخل مؤسسة استشفائية واحدة أو التقديرات الوطنية المرتفعة، عن واقع مقلق لعنف جنسي يستهدف فئة شديدة الهشاشة، في مجتمع لا يزال ينظر إلى هذه الجرائم باعتبارها من المحرمات المرتبطة بمفاهيم الشرف والعار، ما يعمّق التستر ويعرقل جهود المعالجة.

وعلى الرغم من سن تشريعات تهدف إلى حماية الطفل ومكافحة العنف الأسري، يرى مختصون أن الإجراءات الحالية لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظل ضعف التبليغ ونقص الحماية الاجتماعية والدعم النفسي للضحايا، ما يجعل مواجهة الظاهرة تحديا مفتوحا أمام السلطات والمجتمع على حد سواء.

إحالة رئيس نادي جزائري إلى التحقيق

اقرأ المزيد