09 فبراير 2026

ليبيا حضرت مبكرا في تسريبات ما بات يُعرف بـ”ملفات إبستين”، لا بوصفها ساحة جانبية في فضيحة أخلاقية عابرة، بل كحلقة ضمن شبكة أوسع من العلاقات السياسية والمالية التي تشكلت في أعقاب 2011.

مع تتابع الوثائق وتقاطعاتها، تتقدم هذه التسريبات كنافذة لفهم كيفية اشتغال النفوذ غير المعلن، حيث تتداخل المصالح الأمريكية، وشبكات السمسرة العابرة للحدود، مع نخب محلية صعدت في لحظة انهيار الدولة وإعادة تشكيل السلطة.

تبدو ليبيا نموذجا كاشفا لانتقال التدخل الخارجي من الأدوات العسكرية المباشرة إلى آليات أكثر نعومة وتعقيدا، تقوم على إدارة المال، وصناعة القنوات السياسية، وتوظيف الفاعلين الأكثر قدرة على توفير الغطاء والمرونة، وتكتسب الأسماء والمؤسسات التي برزت في المرحلة الانتقالية دلالة تتجاوز سيرتها الفردية، لتشير إلى نمط أوسع من إعادة هندسة القرار السيادي عبر واجهات محلية، في قلبها المؤتمر الوطني العام، وما مثله آنذاك من ثقل سياسي وأيديولوجي.

من الأفراد إلى الشبكة: منطق العمل غير الرسمي

تُظهر القراءة المتأنية للوثائق المنسوبة إلى شبكة جيفري إبستين أن المسألة لا تتعلق بأسماء أمريكية متورطة في علاقات مشبوهة فحسب، بل بنمط عمل يقوم على السماسرة والوسطاء وشخصيات نافذة تتحرك خارج الأطر الرسمية، لتأمين مصالح استراتيجية في بيئات سياسية هشة.

في الحالة الليبية، تبرز أسماء شخصيات تولت مواقع مفصلية داخل المؤتمر الوطني العام خلال المرحلة الانتقالية، في مقدمتها محمد المقريف، الذي شغل رئاسة المؤتمر في واحدة من أكثر مراحل ما بعد 2011 حساسية، إلى جانب شخصيات أخرى مثل نوري أبو سهمين، علي زيدان وسالم قنان، وأهمية هذه الأسماء لا تنبع من حضورها الفردي بقدر ما ترتبط بالمواقع الوظيفية التي شغلتها، وما أتاحته من قدرة على التأثير في مسارات القرار السياسي والمالي في لحظة سيولة مؤسسية واسعة.

تناول هذه الشخصيات يأتي في إطار توصيف الدور السياسي الذي منحته لهم مناصبهم آنذاك، باعتبارهم نقاط ارتكاز داخل بنية السلطة الانتقالية، لا بوصفه اتهاما قانونيا مباشرا أو حكما على النيات، بل كجزء من قراءة أوسع لكيفية توظيف المواقع الرسمية في شبكات نفوذ تتجاوز الإطار الوطني الضيق.

كيف كانت واشنطن تنظر إلى المؤتمر الوطني العام؟

وفق ما تعكسه الوثائق وسياق السياسة الأمريكية بعد 2011، فإن الولايات المتحدة كانت تنظر إلى قيادة المؤتمر الوطني العام – وعلى رأسها المقريف وآخرون – بوصفها أداة رئيسية قابلة للتوظيف في إدارة المرحلة الليبية الجديدة، لا سيما في ما يتصل بملفات حساسة مثل:

  • الأصول الليبية المجمدة في الخارج.
  • إعادة توجيه الأموال تحت عناوين الاستثمار وإعادة الإعمار.
  • إنتاج نخبة سياسية متحالفة وقابلة للتنسيق.

هذا التصور ارتبط عضويا بالبنية الأيديولوجية التي حكمت المؤتمر الوطني العام في تلك المرحلة، إذ لم يكن مجرد إطار تمثيلي انتقالي، بل تحول عمليا إلى مساحة نفوذ مركزي للتيارات الإسلامية السياسية، وهيمن الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من جماعات إسلامية أخرى على مواقع مؤثرة داخل رئاسته ولجانه المحورية، ما منحهم قدرة واسعة على توجيه القرارين السياسي والتشريعي، والتحكم بإيقاع المرحلة الانتقالية.

هذه الهيمنة لم تكن تفصيلا ثانويا، بل شكلت عاملا حاسما في طريقة تفاعل القوى الدولية مع المؤتمر، باعتباره جسما سياسيا يمتلك شرعية شكلية، وقابلا في الوقت نفسه للتوظيف، بفعل تداخل الأيديولوجيا مع البراغماتية السياسية والحاجة إلى الدعم الخارجي.

الإسلاميون كقناة: السياسة بوصفها وسيطا ماليا

تُظهر المعطيات أن التقاطع بين المصالح الأمريكية وشبكات إبستين من جهة، وقيادات إسلامية داخل المؤتمر الوطني العام من جهة أخرى، لم يقم على أي تقارب فكري أو انسجام أيديولوجي، بل على منطق نفعي بحت تحكمه الوظيفة والنتائج.

التقت هذه الأطراف عند حاجة مشتركة، فواشنطن وشبكاتها غير الرسمية تبحث عن قنوات محلية تمتلك شرعية سياسية وقدرة على تمرير الترتيبات، بينما كانت القيادات الإسلامية، في ذروة صعودها، بحاجة إلى اعتراف دولي ودعم خارجي يرسخ موقعها في معادلة السلطة، فتشكل تقاطع عملي مؤقت، لا تحكمه القناعات، بل المصالح، حيث تحولت السياسة إلى وسيط، والمؤسسات الانتقالية إلى أدوات قابلة للتوظيف ضمن شبكات نفوذ أوسع.

يمكن تفكيك التقاطع الوظيفي بوصفه تلاقي مصالح متوازية لا متطابقة، حيث كانت كل جهة ترى في الأخرى أداة لتحقيق غاية محددة، فواشنطن تبحث عن قنوات محلية تمتلك حدا أدنى من الشرعية السياسية؛ يسمح بتمرير التفاهمات وترتيبات ما بعد الصراع من دون كلفة التدخل المباشر، بينما احتاجت شبكات النفوذ غير الرسمية المرتبطة بإبستين إلى غطاء سياسي يوفر لها الحركة داخل بيئة مضطربة، ويمنح أنشطتها طابعا “قانونيا”.

في المقابل، وجد الإسلاميون، في لحظة تفوقهم داخل المؤتمر الوطني العام، أنفسهم أمام معضلة تثبيت السلطة في ظل هشاشة داخلية وضغوط خارجية، ما جعل الدعم الدولي والترتيبات المالية العابرة للحدود خيارا عمليا أكثر منه ترفا سياسيا، وتبلور هذا التقاطع كمعادلة تبادلية، تتقدم فيها الوظيفة على القناعة، والمصلحة على الخطاب.

أصبح المؤتمر الوطني العام قناة مثالية عبر شرعية انتخابية ضعيفة، واعتماد مالي على الخارج، واستعداد لعقد تسويات مقابل تثبيت النفوذ.

سماسرة النفوذ وإدارة المصالح عبر الإسلاميين

تفرض قراءة الوثائق من دون ادعاء حسم قضائي صورة أكثر تعقيدا للمشهد، فهناك نخبة أمريكية نافذة وسماسرة مرتبطين بشبكة إبستين تحركوا ضمن منظومة أوسع من المصالح العابرة للحدود، نسقت حضورها في ليبيا عبر قادة إسلاميين داخل المؤتمر الوطني العام، ووجدت هذه المنظومة بيئة مواتية للتمدد بفعل هشاشة الدولة، وانقسام النخب، وتدويل ملف الثروة الليبية وتحويله إلى ساحة صراع نفوذ مفتوحة.

تكمن خطورة القضية هنا لا في بعدها الأخلاقي المجرد، بل في تحويل السياسة الليبية إلى واجهة تشغيل لشبكات نفوذ غير معلنة، تعمل من خلف الستار، وتتعامل مع الإسلاميين لا باعتبارهم حلفاء فكريين، بل كأدوات تنفيذ داخل بنية انتقالية ضعيفة، سهلة الاختراق وقابلة للتوظيف.

ما لم يمكن تجاهله في هذه المسألة أن المؤتمر الوطني العام لم يكن مجرد مؤسسة انتقالية، بل منصة نفوذ أيديولوجي ومال، والإسلاميون لم يكونوا ضحايا اختراق فقط، بل طرفا فاعلا في معادلة المقايضة، بينما لم تحتج واشنطن إلى تدخل عسكري مباشر، طالما أمكن إدارة القرار عبر المال والنخب.

بين الاتهام والتاريخ

لا تحسم هذه الوثائق مسؤوليات قانونية فردية، لكنها تكشف بنية كاملة من التواطؤ الوظيفي، حيث التقت المصالح الأمريكية، وشبكات إبستين، وقيادات المؤتمر الوطني العام، والتيارات الإسلامية، عند نقطة واحدة هي إدارة ليبيا من الخارج، عبر واجهات محلية.

لا يمكن النظر إلى ما تكشفه الوثائق باعتباره حدثا عابرا أو مادة إثارة ظرفية، بل بوصفه مدخلا لفهم أعمق لكيفية اشتغال النفوذ داخل المشهد الليبي بعد 2011، فالتقليل من شأن هذه المعطيات أو التعامل معها كـ”تسريب مثير” يفرغها من دلالتها السياسية الحقيقية، ويتجاهل ما تنطوي عليه من إشارات خطيرة حول تحويل الدولة والمؤسسات الانتقالية إلى أدوات ضمن صراعات مصالح عابرة للحدود، ما يجعل مساءلتها شرطا أساسيا لأي نقاش جدي حول السيادة وإعادة بناء القرار الوطني.

بقلم: مازن بلال

 

الإنفاق الأمني في الغرب الليبي: تكاليف بالملايين وأمن منخفض

اقرأ المزيد