عاد ملف تحطم الطائرة الليبية من طراز فالكون 50، التي كانت تقل رئيس أركان الجيش الليبي الفريق أول محمد الحداد، إلى دائرة الاهتمام مجددا، بعدما أكدت السلطات التركية أن التحقيقات القضائية والفنية لم تستكمل بعد، وأن نتائجها النهائية لم تُضم إلى ملف القضية حتى الآن.
ويأتي ذلك في وقت يتزامن فيه المسار القضائي مع حراك سياسي وعسكري بين طرابلس وأنقرة، يعكس سعي الطرفين لإدارة تداعيات الحادث عبر قنوات مؤسسية منسقة، وسط تساؤلات داخل ليبيا بشأن ملابسات الواقعة وأبعادها الأمنية والسياسية.
وأعلن مكتب المدعي العام في أنقرة استمرار الإجراءات المتعلقة بالحادث الذي وقع قرب قضاء هايمانا جنوب العاصمة التركية، موضحا أن التحقيق لا يزال مفتوحا ويجري التعامل معه بصورة شاملة ودقيقة، في إشارة إلى أن الملف لم يصل بعد إلى مرحلة إعلان النتائج أو اتخاذ قرار قضائي نهائي.
وفي إطار التعاون القضائي بين البلدين، كشف البيان التركي عن عقد اجتماع بين مدع عام تركي وممثلين عن الادعاء العام الليبي المكلفين بمتابعة القضية، جرى خلاله تبادل المعطيات والمعلومات استنادا إلى الاتفاقيات الدولية والعلاقات الثنائية، إضافة إلى تقييم ما تم إنجازه في مسار التحقيق من الجانبين، بما يعكس مستوى من التنسيق المباشر في هذا الملف الحساس.
وعلى الصعيد الفني، كان وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو أعلن في وقت سابق انتهاء فحص مسجل الصوت الأول للطائرة في بريطانيا، موضحا أن البيانات أظهرت تعطل المحرك الثاني بعد دقائق قليلة من الإقلاع، ثم المحرك الثالث، قبل أن تتوقف المحركات بالكامل.
وأثار هذا التسلسل من الأعطال تساؤلات حول القرارات التي اتخذها طاقم الطائرة في اللحظات الأولى بعد الإقلاع، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية العودة إلى مطار أنقرة قبل مغادرة المجال الجوي الآمن.
وأشار الوزير التركي إلى أن الجانب التقني من الحادث بات أوضح إلى حد كبير، غير أن الخلاصة النهائية ستُحسم على أساس التحقيق القضائي وتقارير الخبراء المختصين، مؤكدًا الفصل بين النتائج الفنية الأولية والقرار القانوني النهائي.
كما لفت إلى أن مسجل البيانات الثاني للطائرة قديم وتعرض لأضرار كبيرة، ما حال دون استخراج معلومات مفيدة منه حتى الآن.
وتعود الحادثة إلى 23 ديسمبر 2025، عندما تحطمت الطائرة الخاصة أثناء نقلها الفريق أول محمد الحداد وأربعة من مرافقيه، إلى جانب ثلاثة من أفراد الطاقم، ما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها.
وشكلت الواقعة صدمة داخل المؤسسة العسكرية الليبية، وفتحت الباب أمام نقاشات واسعة حول معايير السلامة الفنية للطائرة وظروف الرحلة.
وبالتوازي مع التحقيقات، برز تحرك عسكري ليبي–تركي لافت، تمثل في زيارة رسمية قام بها الفريق صلاح الدين النمروش، القائم بأعمال رئيس الأركان العامة الليبية، إلى أنقرة بدعوة من رئاسة الأركان التركية.
وتعد هذه الزيارة الأولى لمسؤول عسكري ليبي رفيع المستوى منذ وقوع الحادث، وتحمل دلالات تتجاوز الجانب البروتوكولي نحو التأكيد على استمرار التعاون العسكري بين البلدين رغم حساسية الظرف.
وخلال الزيارة، عقد النمروش لقاء مع وزير الدفاع التركي يشار غولير، تناول ملفات التنسيق والتدريب والعلاقات العسكرية الثنائية، في وقت يتولى فيه النمروش المنصب الذي شغر بعد وفاة الحداد، ما يضفي على الزيارة بعدا مؤسسيا يتعلق بضمان استمرارية قنوات الاتصال العسكرية وعدم تأثرها بتداعيات الحادث.
وسبق هذا الحراك العسكري لقاء جمع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي برئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في طرابلس، حيث قدم الأخير إحاطة حول آخر تطورات التحقيق في حادث تحطم الطائرة، واعتبر هذا اللقاء مؤشرًا على أن الملف يُدار أيضًا على مستوى أمني–سياسي رفيع بين الجانبين.
وأوضح المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي أن اللقاء تناول كذلك تطورات الأوضاع المحلية والإقليمية، وتبادل وجهات النظر حول قضايا ذات اهتمام مشترك، مع تأكيد الطرفين أن استقرار ليبيا يشكل عنصرا أساسيا لأمن المنطقة، والتشديد على أهمية استمرار التنسيق بما يدعم المسار السياسي ويعزز فرص التوافق الوطني.
وفي خلفية هذه التطورات، رجحت السلطات التركية في وقت سابق أن يكون خلل كهربائي وراء سقوط الطائرة، بعدما أظهرت التحقيقات الأولية خروج مولدين كهربائيين عن الخدمة قبل اصطدامها بتل جبلي، وهو ما أعاد تسليط الضوء على الوضع الفني للطائرة وسجل صيانتها، ومدى الالتزام بمعايير السلامة في هذا النوع من الرحلات الخاصة.
ساركوزي يواجه السجن 10 سنوات في قضية تمويل حملته الانتخابية من القذافي
