لا تزال مخلفات الألغام المزروعة خلال فترة الاستعمار الفرنسي في الأراضي الحدودية لـ الجزائر تتسبب بسقوط ضحايا جدد بين الحين والآخر، مع تسجيل انفجارات متفرقة في مناطق شرقية وغربية، ما يعيد فتح ملف إنساني وقانوني قديم يتصل بالمسؤولية والتعويض والرعاية طويلة الأمد للمصابين.
وتشير إفادات ضحايا وناشطين إلى أن هذه المتفجرات، رغم مرور عقود على زرعها، ما زالت تشكل تهديدا مباشرا للسكان، خصوصا في المناطق الريفية والزراعية القريبة من الشريط الحدودي، حيث تتحول بعض الحقول إلى مناطق خطر غير مرئية.
ومن بين الشهادات المتداولة، قصة أحد المصابين الذي تعرض لانفجار لغم في سن مبكرة أثناء وجوده في منطقة زراعية، ما أدى إلى بتر في الأطراف وإصابات بليغة في العينين والساقين، وخضوعه لسلسلة عمليات وعلاجات طويلة في عدة مستشفيات، قبل الانتقال إلى مراكز متخصصة في إعادة التأهيل.
ويؤكد أطباء ومتابعون لملف المصابين أن عددا من الناجين من انفجارات الألغام يعانون مضاعفات صحية مزمنة، تشمل اضطرابات نفسية وعصبية وأمراض ضغط الدم والسكري والتهابات المفاصل، إضافة إلى إعاقات دائمة تتطلب متابعة طبية مستمرة وأجهزة تعويضية متطورة.
ويستفيد المتضررون حاليا من منحة عجز مالية محدودة، غير أن جمعيات وناشطين يعتبرونها غير كافية مقارنة بحجم الأضرار.
وتتركز المطالب على منح بطاقات عجز رسمية تتيح مزايا إضافية، مثل مجانية النقل، والأولوية في السكن الاجتماعي، وإتاحة العلاج في المؤسسات الطبية العسكرية المتخصصة، إضافة إلى رفع قيمة التعويضات.
وكانت الحكومة الجزائرية أعلنت في وقت سابق نيتها تحديث الإطار القانوني المتعلق بحقوق قدماء المحاربين وذوي الحقوق وضحايا حرب التحرير، مع إدراج ضحايا الألغام والمتفجرات ضمن الفئات المستفيدة من خدمات العلاج وإعادة التأهيل والدعم الاجتماعي.
تفيد بيانات صادرة عن وزارة المجاهدين وذوي الحقوق بأن انفجارات الألغام منذ الاستقلال تسببت في سقوط آلاف الضحايا، بينهم نساء، إضافة إلى أعداد كبيرة من المصابين بإعاقات دائمة، وقدمت هذه الإحصاءات ضمن ملفات تشريعية مرتبطة بذاكرة الاستعمار والجرائم المرتبطة به.
كما سجلت حوادث حديثة نسبيا في ولايات داخلية، أسفرت عن وفيات وإصابات، ما يؤكد أن الخطر لم ينتهِ بالكامل رغم برامج التطهير المستمرة.
ويعمل نشطاء من مناطق حدودية، بينهم مصابون بانفجارات ألغام، على إنشاء إطار تنظيمي وطني يُعنى بضحايا هذه المتفجرات، بهدف توحيد الجهود للدفاع عن حقوقهم الصحية والاجتماعية، والمطالبة باعتراف رسمي بمسؤولية فرنسا عن زرع الألغام وتلويث مساحات واسعة بمخلفات حربية.
وتشمل المطالب المطروحة تعويضات شاملة، وتغطية علاج مدى الحياة، وبرامج إعادة تأهيل مهني، إضافة إلى جبر ضرر جماعي للمناطق التي تضررت تنموياً لعقود بسبب التلغيم.
وبحسب معطيات رسمية لجهات الدفاع في الجزائر، زرعت ملايين الألغام على امتداد الحدود الشرقية والغربية بين عامي 1956 و1962، بهدف عزل مناطق عبور المقاتلين خلال حرب التحرير.
وبعد الاستقلال، أطلقت الدولة برامج واسعة لنزع الألغام بدعم دولي، أسفرت عن تدمير الجزء الأكبر منها واستعادة مساحات شاسعة للاستخدام الزراعي والتنموي.
كما شهدت بعض المناطق تدشين معالم تذكارية لتخليد جهود فرق نزع الألغام المحلية والدولية التي شاركت في إزالة هذا الإرث الخطِر، في وقت لا يزال فيه الملف مفتوحاً على المستويين الإنساني والقانوني.
مزارعو فرنسا.. نزاع أوكرانيا هو الذي دمرنا
