لم يكن قرار رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، تعيين وزيرين جديدين في حكومته خطوة إدارية معزولة لملء شواغر، بل تحول سريعاً إلى عنوان لأزمة سياسية–دستورية مركبة، تعكس عمق الخلل في بنية السلطة التنفيذية غرب البلاد.
التعديل المحدود، الذي شمل حقيبتي التعليم والثقافة، جاء في سياق تعاني فيه الحكومة أصلاً من شغور يقارب نصف الحقائب الوزارية، وفي ظل وضع قانوني هش بعد سحب الثقة منها من قبل مجلس النواب.

جاء تعيين محمد عبدالسلام القريو وزيراً للتربية والتعليم، وسالم مصطفى العالم وزيراً للثقافة والتنمية المعرفية، في صيغة بدت، للوهلة الأولى، محصنة نسبياً من النقد على مستوى الكفاءة المهنية، فالأول أكاديمي ذو خبرة في مجالات الجودة والوراثة السريرية، وراكم تجربة إدارية داخل مؤسسات التعليم العالي، فيما يُعرف الثاني بصفته أديباً وشاعراً له حضور فاعل في المشهد الثقافي الليبي، ولم تكن الإشكالية في السيرة الذاتية لكل منهما، إنما في الإطار القانوني والسياسي الذي جرت فيه هذه التعيينات، وما أثارته من تساؤلات حول المرجعية والصلاحيات وحدود الاختصاص.
جدال حول المناصب
المؤشر الجديد كان في إعلان عن تعيين وزيرين جديدين ضمن التشكيلة الحكومية، أحدهما وزير الموارد المائية الجديد حسني محمد عويدان، وذلك مع جدل سياسي مستمر حول شرعية الحكومة وصلاحياتها بعد انتهاء المدة الزمنية التي مُنحت لها وفق خريطة الطريق التي أقرها ملتقى الحوار السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة، وهذه التعيينات تعكس محاولة للحفاظ على تماسك التحالفات السياسية داخل السلطة التنفيذية، في وقت لا يزال فيه المسار الانتخابي متعثراً، ما يطيل أمد المرحلة الانتقالية ويُبقي مؤسسات الدولة عرضة لإعادة التشكيل المستمر.
كما برزت قضية وزيرة الثقافة والتنمية المعرفية مبروكة توغي التي رفضت مغادرة منصبها رغم القرارات المتعلقة بالتغييرات الوزارية، وأثار هذا الموقف نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، فرفض وزير تنفيذ قرار إعفائه أمراً غير مألوف في الدول ذات المؤسسات المستقرة، حيث تُحسم مثل هذه المسائل عادة عبر أطر قانونية وإدارية واضحة، غير أن المشهد الليبي، الذي يتسم منذ سنوات بتداخل مراكز الشرعية وضعف الهياكل المؤسسية نتيجة الانقسام السياسي، جعل مثل هذه الوقائع جزءاً من المشهد المعتاد، بما يعكس عمق الأزمة المؤسسية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد.
تعديل في حكومة تصريف أعمال”؟
من الناحية القانونية، تتمسك شريحة واسعة من الفاعلين السياسيين بأن حكومة طرابلس تحولت بحكم الأمر الواقع إلى حكومة تصريف أعمال، سواء بفعل سحب الثقة منها من قبل مجلس النواب، أو بسبب الشغور الواسع في تشكيلتها الوزارية، وهنا استند رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إلى نصوص الاتفاق السياسي الليبي المضمن في الإعلان الدستوري، ليؤكد أن أي تعديل يشمل إقالة وزراء يتمتعون بثقة السلطة التشريعية يعد مخالفة صريحة للإجراءات المنظمة.
المنفي لم يكتفِ بالتذكير بالإطار القانوني، بل شدد على أن تشكيل الحكومات أو تعديل بنيتها يخضع حصرياً للمرجعيات الدستورية الحاكمة، وأن معالجة الشغور، حتى إن كان ناتجاً عن استقالات طوعية، يتطلب توافقاً وطنياً واسعاً وأطراً قانونية سليمة، مع “تشاور ملزم” في حقيبتي الدفاع والخارجية على وجه الخصوص.
لكن المفارقة أن ولاية المنفي نفسه موضع جدل، شأنه شأن بقية أجسام المرحلة الانتقالية. ومع ذلك، يُنظر إليه في بعض الأوساط باعتباره “أقل افتقاراً للشرعية” مقارنة بحكومة سُحبت منها الثقة رسمياً، وهذا التفاوت النسبي في شرعية الأجسام لا يعكس قوة مؤسسية، بل هشاشة عامة يتقاسمها الجميع.
انقسام داخل الرئاسي: وحدة قرار غائبة
لم تتوقف الأزمة عند حدود السجال بين الدبيبة والمنفي، حيث اعترض نائبا رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني وعبد الله اللافي، على مخاطبة المنفي للدبيبة بصورة منفردة، معتبرين أن المسائل المتعلقة ببنية السلطة التنفيذية وتوازناتها تندرج ضمن الاختصاص الأصيل للمجلس مجتمعاً، لا لرئيسه منفرداً.

الكوني ذهب إلى حد القول إن أي موقف يتعلق بالشواغر الحكومية أو إعادة تشكيل بعض الحقائب لا يكتسب صفته المؤسساتية ولا يعتد به إلا إذا صدر عن المجلس مجتمعا، أما اللافي، فحذر من “انتقائية” في الدفاع عن النصوص، متسائلا ًعن سبب الحماسة في هذه المسألة تحديداً، في حين مرت ملفات أكثر خطورة دون اعتراض مماثل.
هذا الانقسام يكشف خللاً مضاعفاً، فحكومة تتصرف منفردة رغم هشاشة وضعها القانوني، ومجلس رئاسي عاجز عن توحيد قراره في مواجهة تلك الخطوات، يوضح أن السلطة التنفيذية منقسمة على نفسها، لا على خصومها فقط.
اختبار نبض الشارع أم إعادة تموضع؟
سياسياً، يصعب فصل خطوة الدبيبة عن حسابات أوسع، فالتعديل اقتصر حتى الآن على حقيبتين، في وقت لا تزال نحو 13 وزارة من أصل 27 تعاني فراغاً أو وضعاً غير مستقر، هذا “التدرج” في الإعلان يوحي بأن رئيس الحكومة يختبر ردود الفعل داخلياً وخارجياً قبل المضي في تعديل أوسع.

ثمة من يرى في الخطوة محاولة لإعادة هندسة التحالفات داخل غرب ليبيا، عبر استرضاء مكونات اجتماعية أو جغرافية بعينها، وذهب بعض المنتقدين إلى اعتبار التعيينات محاولة لاحتواء دوائر نفوذ في طرابلس ومحيطها، على حساب توازنات أوسع تشمل فزان وبرقة، وسواء صحت هذه القراءة أم لا، فإنها تعكس مناخاً من الشك العميق في أي خطوة حكومية، مهما بدت فنية أو محدودة.
جوهر الأزمة: شرعية متآكلة واتفاق منتهك
تكمن المفارقة في أن الأطراف التي تستمد وجودها من الاتفاق السياسي ذاته، باتت تتنازع تفسيره وفهم حدوده، فبينما يحذر محمد المنفي من مخالفة نصوص الاتفاق والإعلان الدستوري، ويمضي عبد الحميد الدبيبة في قراراته استنادا ًإلى شرعية المسار الأممي الذي أفرز حكومته، ويبقى مجلس النواب الجهة التي منحت الثقة وسحبتها، محتفظاً بدوره التشريعي بوصفه المؤسسة المنتخبة الوحيدة على المستوى الوطني، رغم الجدل القانوني القائم بشأن مدته.

لم يعد الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر، بل أصبح صراعاً على تأويل النصوص وتحديد من يملك سلطة الاحتكام إليها، فتحوّل الاتفاق السياسي من إطار جامع يفترض أن ينظم العلاقة بين السلطات، إلى ساحة تجاذب تستحضر فيها المواد بحسب الحاجة السياسية لكل طرف، والنتيجة أن المرجعية التي كان يُفترض أن تضبط إيقاع المرحلة الانتقالية، باتت هي نفسها موضوع النزاع، بدل أن تكون حكماً فيه.
أبعاد إقليمية وحسابات دولية
لا يمكن قراءة هذا الاشتباك بمعزل عن السياق الإقليمي، فحقيبتي الدفاع والخارجية، اللتين شدد المنفي على ضرورة التشاور بشأنهما، ترتبطان مباشرة بملفات وقف إطلاق النار، والتنسيق الأمني، والتمثيل الدبلوماسي، والعلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، وأي تعديل فيهما يُفهم كإعادة تموضع في توازنات حساسة.
الرسائل المتبادلة لا تقرأ في الداخل فقط، بل ترصد أيضاً في العواصم المعنية بالملف الليبي، والخلاف على “الإجراء” يخفي صراعاً على من يملك حق تمثيل الدولة والتحدث باسمها في مرحلة انتقالية مفتوحة على المجهول.
حكومة تدير أزمة… أم تعيد إنتاجها؟
يدافع الدبيبة عن خطوته باعتبارها ضرورية لسد الشواغر وضخ دماء جديدة وتحسين الخدمات، وهو طرح يجد صداه لدى قطاعات من الرأي العام المتعب من الانقسام والفوضى الإدارية، لكن المشكلة أن أي إصلاح إداري يفترض قاعدة قانونية مستقرة، وهو ما تفتقر إليه المرحلة الحالية.
في المقابل، لا يبدو المجلس الرئاسي في موقع يسمح له بفرض إرادة حاسمة، فانقسام أعضائه وغياب آلية واضحة لحسم الخلافات، يجعلان من اعتراضاته أقرب إلى مواقف سياسية منها إلى قرارات نافذة.

وفق هذه التطورات تدخل ليبيا مرحلة جديدة من تعقيد المشهد في غرب البلاد؛ حكومة تمضي في قراراتها باعتبارها صاحبة الولاية التنفيذية الكاملة، ومجلس رئاسي يعترض من موقع الحرص على الاختصاص دون أن يمتلك أدوات حاسمة لفرض رؤيته، وفي مقابل مجلس النواب الذي يظل، بوصفه الجهة المنتخبة التي منحت الثقة وسحبتها، متمسكاً بدوره في تحديد الإطار الشرعي للعمل الحكومي، وبين هذه التجاذبات، يبقى المواطن الليبي هو الطرف الأكثر تأثراً بانسداد الأفق السياسي وتآكل الثقة بين مؤسسات الدولة.
حلقة جديدة في دائرة مفرغة
ما جرى ليس مجرد تعديل وزاري محدود، بل حلقة جديدة في سلسلة تآكل الشرعية وتضارب الصلاحيات، فالسلطات التي منحتها التوافقات الدولية قدراً من الاعتراف، باتت اليوم تنتهك الاتفاقات ذاتها التي أوجدتها، وتعجز حتى عن التوافق فيما بينها على أبسط آليات التنسيق.
استمرار هذا المسار ينذر بمزيد من الانقسام، وربما بتصعيد سياسي أو أمني إذا ما تداخلت حسابات الداخل مع رهانات الخارج، وفي غياب أفق انتخابي واضح، وتوافق دستوري صريح، سيظل كل تعديل مهما بدا تقنياً وقوداً لأزمة أعمق لسلطة تبحث عن شرعية، وشرعية تبحث عن دولة.
بقلم: نضال الخضري
جدل في ليبيا بسبب صفقة نفطية مع شركات أجنبية
