في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية في تاريخ السودان الحديث، أعلنت الولايات المتحدة إدراج جماعة “الإخوان المسلمين” في السودان على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص، مع نية تصنيفها رسميا منظمة إرهابية أجنبية ابتداءً من 16 مارس.
القرار لم يكن مجرد خطوة قانونية في سياق مكافحة الإرهاب، بل تطور سياسي له انعكاسات عميقة على مسار الحرب السودانية، وعلى توازنات القوى داخل الدولة، وعلى مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة.

يأتي القرار الأميركي بينما يعيش السودان واحدة من أسوأ الحروب في تاريخه منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وهي حرب خلفت حتى الآن ما لا يقل عن 40 ألف قتيل وأكثر من 12 مليون نازح، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.
عملياً يشكل التصنيف الأميركي نقطة تحول استراتيجية، لأنه يطال أحد أهم الفاعلين غير الرسميين داخل معسكر الجيش، أي الحركة الإسلامية السودانية وشبكاتها العسكرية والتنظيمية، غير أن الأثر الأعمق للقرار يتجاوز السودان ذاته، إذ يفتح باب تساؤلات أوسع، فمن سيخسر فعلياً من هذا التصنيف؟ وهل يقف قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في موقع المتضرر الأكبر؟ ثم السؤال الأكثر حساسية في الإقليم من سيكون التالي؟
قرار أميركي يتجاوز البعد القانوني
وفق بيان وزارة الخارجية الأميركية، فإن جماعة الإخوان المسلمين في السودان، التي تتكوّن أساساً من الحركة الإسلامية وجناحها المسلح “لواء البراء بن مالك”، متهمة باستخدام العنف المفرط ضد المدنيين، وتنفيذ عمليات إعدام ميدانية، والمساهمة في تقويض جهود حل النزاع في البلاد.

كما تشير واشنطن إلى أن الجماعة ساهمت بأكثر من 20 ألف مقاتل في الحرب الدائرة في السودان، وأن عدداً من هؤلاء تلقوا تدريبا ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، وبموجب هذا التصنيف، ستجمد جميع الأصول المرتبطة بالجماعة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة للولاية القانونية الأميركية، كما سيحظر على الأفراد والشركات الأميركية التعامل معها أو مع شبكاتها المالية والتنظيمية.

لكن النقطة الأساسية في القرار لا تكمن فقط في العقوبات المالية أو القيود القانونية، بل في إعادة تعريف موقع الإسلاميين داخل المعادلة السودانية، فالولايات المتحدة لا تصنّف مجرد حركة سياسية، بل تستهدف شبكة نفوذ عميقة تمتد داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش.
البرهان في موقع الخاسر
رغم أن القرار يستهدف جماعة الإخوان المسلمين رسمياً، إلا أن التداعيات السياسية تشير إلى أن الضربة يمكن ان تصيب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بشكل غير مباشر.
فالبرهان ظل طوال الأشهر الماضية ينفي وجود أي نفوذ تنظيمي للإخوان داخل الجيش السوداني أو تأثيرهم على القرار العسكري والسياسي، غير أن التصنيف الأميركي يطرح سردية مغايرة تماما؛ فيفترض وجود تحالف فعلي بين الجيش والإسلاميين، سواء على المستوى السياسي أو الميداني.

هذه المفارقة تضع البرهان أمام معضلة استراتيجية مزدوجة، فإذا أقر بوجود هذه العلاقة، فإنه يعترف ضمناً بأن جزءاً من القوة العسكرية التي تقاتل إلى جانب الجيش أصبح مصنفاً إرهابياً دولياً، وهو ما يعقد علاقاته مع العواصم الغربية والمؤسسات المالية الدولية، أما إذا استمر في نفي العلاقة، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة القيادة العسكرية على السيطرة على القوى المسلحة المتحالفة معها.
بين هذين الخيارين، يبدو البرهان عالقاً في منطقة رمادية، فهو يحتاج إلى الدعم العسكري الذي توفره الشبكات الإسلامية في الحرب ضد قوات الدعم السريع، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن استمرار هذا التحالف يعمق عزلة الجيش دولياً.
لهذا السبب فإن التصنيف الأميركي ربما يدفع قيادة الجيش مستقبلاً إلى إعادة تقييم علاقتها بالحركة الإسلامية، أو على الأقل محاولة تقليص حضورها العلني داخل المعسكر العسكري.
ترحيب داخلي يعكس الانقسام
داخل السودان، قوبل القرار الأميركي بترحيب واسع من قوى سياسية ومدنية معارضة للحرب ولنفوذ الإسلاميين، فاعتبر تحالف “صمود” بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أن التصنيف يعكس إرادة غالبية الشعب السوداني، ويشكل خطوة مهمة نحو تفكيك شبكات العنف التي ساهمت في إشعال الحرب.
كما رحبت منظمات حقوقية، مثل مجموعة “محامو الطوارئ”، بالقرار، معتبرة أنه يمثل اعترافاً دولياً بمسؤولية الحركة الإسلامية عن منظومة طويلة من الانتهاكات، تشمل الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري خلال العقود الماضية.

في المقابل، لم تصدر الحركة الإسلامية أو قياداتها، ومن بينهم أمينها العام علي كرتي، أي تعليق رسمي على القرار حتى الآن، وهو صمت يعكس حرجاً سياسياً أو محاولة لتجنب التصعيد الإعلامي.
اللافت أن الترحيب بالقرار لم يقتصر على القوى المدنية، بل امتد أيضاً إلى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي وصف الخطوة بأنها اعتراف دولي بالانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة في البلاد.
هذا التلاقي بين خصوم سياسيين وعسكريين يعكس حقيقة أساسية، فملف الإسلاميين بات أحد أكثر الملفات حساسية في الصراع السوداني.
الإخوان والحرب: استراتيجية الاستثمار في الفوضى
من منظور تحليلي أوسع، لا يمكن فهم القرار الأميركي بمعزل عن الدور الذي لعبته الحركة الإسلامية في المشهد السوداني منذ سقوط نظام عمر البشير في عام 2019.

فبعد عقود من الهيمنة على الدولة، فقدت الحركة الإسلامية سلطتها السياسية الرسمية، لكنها احتفظت بشبكات نفوذ داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومع تعثر الانتقال الديمقراطي ثم اندلاع الحرب، وجدت هذه الشبكات فرصة لإعادة التموضع داخل معسكر الجيش.
ويرى باحثون في شؤون الحركات الإسلامية أن استمرار الحرب يخدم حسابات التنظيم، لأنه يعيد الاعتبار للمعادلة الأمنية والعسكرية التي ازدهر فيها نفوذ الإسلاميين تاريخياً، فالحرب لا تمثل فقط صراعاً بين الجيش والدعم السريع، بل أيضا صراعاً على شكل الدولة السودانية بعد الثورة، فهل ستعود إلى نموذج الحكم العسكري المدعوم بشبكات الإسلام السياسي، أم ستتجه نحو مسار مدني ديمقراطي؟
من سيكون التالي؟
القرار الأميركي لا يبدو معزولاً عن سياق أوسع في السياسة الأميركية تجاه فروع جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، ففي يناير الماضي، صنفت واشنطن فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان ضمن قوائم الإرهاب أو العقوبات.
وهذا يشير إلى توجه أميركي متصاعد نحو التعامل مع بعض فروع الجماعة باعتبارها شبكات أمنية أو عسكرية لا مجرد تنظيمات سياسية، ما يطرح سؤالاً إذا كانت السودان هي الحلقة الجديدة في سلسلة التصنيفات، فمن سيكون التالي؟
بعض التحليلات تشير إلى أن ليبيا أحد الاحتمالات المطروحة، نظراً إلى حضور التيارات المرتبطة بالإخوان في المشهد السياسي والعسكري هناك، وتعقيد الصراع الليبي وتداخلاته الإقليمية, ومع أن السيناريو لا يزال افتراضياً، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن تتجه نحو إعادة صياغة مقاربتها تجاه الإسلام السياسي المسلح في الشرق الأوسط وشمال إفريقية، بما يخدم مصالحها واستراتيجيتها الحالية.
تداعيات إقليمية مفتوحة
تصنيف الإخوان المسلمين في السودان تظهر خطوة قانونية في ظاهرها، لكنها في جوهرها إشارة سياسية قوية إلى إعادة رسم خطوط النفوذ في المنطقة، وبالنسبة للسودان، يضع القرار قيادة الجيش أمام اختبار صعب يتعلق بعلاقتها مع الإسلاميين ومستقبل التحالفات داخل معسكر السلطة.

أما على المستوى الإقليمي، فإن القرار يمثل بداية مرحلة جديدة من الضغوط الدولية على شبكات الإسلام السياسي المرتبطة بالعنف أو بالميليشيات المسلحة، لكن الحقيقة الأهم تبقى أن السودان، الغارق في حرب مدمرة، لا يحتاج فقط إلى قرارات تصنيف أو عقوبات دولية، بل إلى تسوية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس مدنية وتغلق أبواب الحرب، وسيظل السؤال مفتوحاً: هل يشكل هذا القرار بداية نهاية نفوذ الإسلاميين في السودان، أم مجرد فصل جديد في صراع طويل على السلطة؟
بقلم نضال الخضري
الولايات المتحدة تستخدم الفيتو ضد مشروع قرار جزائري يطالب بوقف إطلاق النار في غزة
