20 يونيو 2024

جاء اتفاق مصراته ليكسر الجمود السياسي في ليبيا، وظهر من خارج السياق الذي تفرضه سياسات عبد الحميد الدبيبة، وفرض إرادة ليبية على المساعي الدولية المتعثرة التي تقودها نائبة رئيس البعثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري.

وعبرت المشاركة المتنوعة في هذا الاتفاق عن خطوة جدية نحو التوافق الوطني، ورغم أن المعادلة السياسية الليبية محكومة بقيادات المجموعات المسلحة في الشرق، لكن الثقل السياسي للاتفاق يظهر في إعادة ترتيب البيئة السياسية من جديد، وفرض أصوات حزبية لديها برامج واضحة على المشهد العام الذي تطفو الخلافات على سطحه، والضغوطات الدولية والولاءات التي خلقتها القوى التي ظهرت بفعل الحرب.

ويمثل الاجتماع الذي شارك فيه عدد من أعضاء مجلسي النواب والدولة الليبيين، إلى جانب تنسيقيات الأحزاب والحركات الوطنية تصوراً واضحاً لمسألتي تعزيز الحوار الوطني ودعم مشروع المصالحة، لأنه سعى لطرح خارطة طريق أولية للوصول إلى انتخابات تضمن استقرار البلاد وتنميتها، ومع ذلك، تبقى التحديات حاضرة، خصوصاً مع المواقف المعارضة التي يتبناها رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة.

خلفية اتفاق مصراته

يقدم اتفاق مصراته ورقة تفاهمات أولية تحاول الحفاظ على التوازنات القائمة، فهو ينطلق مما وصلت إليه الجهود الدولية والمحلية، ويبقي الإشراف الدولي على الانتخابات ضماناً لاستمرار الغطاء الأممي، وبشكل يراعي عدم التصادم مع “الشرعية الدولية” من جهة، والإبقاء على الدعم الذي تقدمه البعثة الأممية رغم كافة الانتقادات الموجهة إليها، خصوصا في ظل وجود نائبة رئيس البعثة الأممية ستيفاني خوري التي تمثل دوراً خاصاً بعد استقالة رئيس البعثة عبدالله باتيلي.

وجاء اتفاق مصراته بعد اجتماع أعضاء مجلسي النواب والدولة الليبيين بداية هذا الشهر (يونيو 2024)، بهدف التشاور والتوافق على قوانين الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية.

وظهر البيان الختامي للاجتماع ليؤكد على أهمية إطلاق عملية سياسية تيسرها البعثة الأممية، وتهدف إلى توحيد المؤسسات الوطنية وتهيئة الظروف الملائمة للانتخابات المقبلة، ويقدم البيان توافقات أساسية تظهر عبر النقاط التالية:

  • التوافق على القوانين الانتخابية حيث أقر المجتمعون أن القوانين الانتخابية الصادرة عن لجنة 6+6 قابلة للتنفيذ.
  • الإعداد لملتقى موسع بين مجلسي النواب والدولة للإسراع في إطلاق خارطة طريق متوافق عليها.
  • توسيع دائرة المشاورات في كافة أنحاء ليبيا، وحث المجلسين على إطلاق عملية سياسية تشمل كافة المكونات السياسية والاجتماعية.

وتؤكد كافة بنود اتفاق مصراته أنها جزء من مسار العملية السياسية، فالمسائل الخلافية بقيت بعيدة عن المداولات، وذلك لإيجاد نقطة انطلاق يمكن عبرها البدء بمسار يجمع كافة الأطراف وتطرح عبره الخلافات.

ويمكن وضع التناقضات بين الأطراف في مكان واحد لمعالجتها، وعدم تركها للتصريحات والمواقف السياسية التي تحاول الهروب من الحل عبر طرح تفاصيل الخلافات.

عمليا، فإن اتفاق مصراته لم يحاول الهروب من خلافات الأطراف الليبية، إنما جعلها جزءا من مهام العملية السياسية، وهو بهذا الأمر حاول عزل ما يعطل الحل السياسي ولو بشكل مؤقت وإيجاد انطلاقة جديدة لعملية الحوار، وربما أهم ما في هذا الاتفاق أنه جرى ضمن مبادرة ليبية تسعى لمراجعة كافة الجهود المبذولة لحل الأزمة، والتعامل مع مخاوف كافة الأطراف على أنها أمر واقع لا بد من حله ولكن ضمن إطار بيئة سياسية ومسار واضح.

موقف الدبيبة

كان من المتوقع أن يعترض الدبيبة على الاتفاق، فهو يحد من دوره السياسي إلى حد كبير، ويحول العملية السياسية باتجاه الحوار بدلا من كونها ضغوطا تمارسها الأطراف الدولية على كافة الليبيين.

وأثار الدبيبة الجدل حول اتفاق مصراته عبر انتقادات نشرها عبر حسابه على منصة فيسبوك، حيث انتقد المشاورات الجارية بين أعضاء مجلسي النواب والدولة، معرباً عن خيبة أمله في عدم توافقهم على قوانين انتخابات عادلة وقابلة للتنفيذ، وبالتأكيد فإن مسألة “الانتخابات” التي يطرحها تحمل تصورات لا ترتبط بالضرورة بالمسار السياسي المطروح بل بوضع الخلافات في الواجهة عوضاً عن جعلها جزءاً من عملية الحوار.

وعلى عكس اتفاق مصراته الذي يحاول خلق بيئة سياسية تجمع كافة الأطراف الليبية، فإن الدبيبة حاول الانطلاق من تفاصيل الخلافات، مشككاً بنوايا المجتمعين، وطرح كافة التناقضات بشكل مباشر، واستند إلى تفاصيل ناجمة عن تراكم الخلافات مثل “تزوير العملة الليبية.

وكما عمد رئيس الحكومة المنتهية ولايتها أيضاً إلى إغراق العملية السياسية المقترحة بالمسائل التقنية مثل تمديد فترات الانتقال بدلاً من التركيز على إنهاء الأزمة وإجراء الانتخابات.

ويستند الدبيبة في رفضه للمبادرة من قوة دعم الأطراف الدولية حيث تلعب ستيفاني خوري، دوراً بارزاً في المشهد الليبي، ودعمها يعزز موقفه ويجعله عقبة في وجه التوافق الوطني، ويضيف تعقيداً على جهود التوافق الوطني.

ويعكس دعم الأمم المتحدة للدبيبة عبر ستيفاني خوري تأثيراً سلبياً على عملية التوافق بين الأطراف الليبية، ويزيد من الخلاف بين الأطراف المختلفة، فالفجوة العميقة بتصورهم بين الأطراف الليبية لا تحتاج إلا ترجيح الخيار السياسي الواحد، بينما لا يمكن حل مشكلة الإنقسام إلا عبر فهم مخاوف الأطراف السياسية وحالة انعدام الثقة لا يمكن ترميمها إلا بالحوار وليس بشكوك الدبيبة.

ويهدد استمرار الدبيبة في موقفه المعارض بتعطيل الانتخابات ويزيد من حالة عدم الاستقرار، ودعم خوري له هو أكثر من موقف سياسي بل تصور خاص للأزمة الليبية يبقي على توازنات قلقة؛ تدعمها التناقضات.

ويبقى المسار السياسي مفقوداً في ظل تشعب المشاورات التي تجريها المبعوثة الأممية للملمة أطراف الأزمة، فهناك بيئة سياسية مفقودة حاول إتفاق مصراته وضع أساس أولي لها، بينما تقوم اعتراضات الدبيبة على إبقاء حالة التصادم والاستناد إلى الدعم الدولي بدلاً من خلق أسس ليبية لحل الأزمة.

بقلم نضال الخضري

الاتحاد الإفريقي يرفض اعتماد ملعب طرابلس لاستضافة الأحداث القارية

اقرأ المزيد