15 يونيو 2024

شكلت الأزمة الليبية ظاهرة دولية متعددة الأبعاد، فتداعياتها لم تقتصر على الاضطراب السياسي، بل أصبحت معضلة دولية نتيجة الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.

ولعبت عدة عوامل جغرافية في جعل ليبيا بلد عبور رئيسي للمهاجرين الأفارقة نحو أوروبا، فقربها من الشواطئ الأوروبية، واشتراكها بحدود برية طويلة مع ستة بلدان: مصر، السودان، النيجر، تشاد، الجزائر، وتونس، وطول ساحلها على البحر المتوسط (1,770 كلم)، جعلها نقطة انطلاق رئيسية للمهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط إلى أوروبا، وبعد انهيار النظام السياسي للرئيس معمر القذافي، تصاعدت هذه الظاهرة وأصبحت تجارة مربحة للميليشيات وشبكات التهريب.

احصائيات صادمة:

توضح الأرقام أن مسألة المهاجرين تفاقمت بشكل واضح خلال العام الماضي، حيث أحصت “المنظمة الدولية للهجرة” مقتل 947 شخصاً، وفقدان 1,256 آخرين في البحر على طريق الهجرة بعد مغادرتهم ليبيا بين 1 يناير و25 نوفمبر.

كما تم إحصاء 705,746 مهاجراً في أبريل، بينما بلغ عدد طالبي اللجوء في أكتوبر 50,986، وتوضح الإحصاءات أيضاً أن قوات الأمن التونسية طردت أكثر من 900 مهاجر وطالب لجوء إفريقي إلى منطقة عازلة عسكرية نائية على الحدود التونسية الليبية، كما نُقل أكثر من 150 شخصاً إلى ليبيا. ووفقاً للسلطات الليبية تم العثور على 27 جثة على الأقل في المنطقة الحدودية منذ بدء عمليات الطرد.

كما اعترضت القوات الليبية 15,057 مهاجراً وطالب لجوء كانوا يحاولون عبور البحر المتوسط وأعادتهم إلى ليبيا خلال عام 2023 حسب إحصاءات المنظمة الدولية، حيث واجهوا الاحتجاز التعسفي في ظروف غير إنسانية في منشآت تديرها وزارة الداخلية التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة، بالإضافة إلى احتجازهم من قبل مهربين ومتاجرين بالبشر، حيث تعرضوا للعمل القسري، والتعذيب وسوء المعاملة، والابتزاز، والاعتداءات الجنسية، بحسب بعثة تقصي الحقائق.

الهجرة والتحولات السياسية

قبل عام 2011، كانت الحكومة الليبية تسيطر نسبياً على حركة الهجرة عبر البلاد، واستخدمت هذا الموضوع وسيلة للضغط على أوروبا، من خلال فتح أو إغلاق “صمام الخروج” حسب حالة العلاقات مع الدول الأوروبية.

وكانت هناك معاهدة بين ليبيا وإيطاليا تعهدت بموجبها الأخيرة بتقديم خمسة مليارات دولار لمراقبة الهجرة، ما ساهم في تقليل تدفق المهاجرين بشكل كبير، لكن انهيار المؤسسات بعد سقوط  الرئيس معمر القذافي أنشأ فراغاً أمنياً أدى لازدهار تجارة تهريب البشر، حيث استفادت الميليشيات والجماعات المسلحة من غياب الدولة وغياب الرقابة على الحدود.

واستغلت شبكات التهريب الفوضى السياسية والأمنية، وعملت على نقل المهاجرين من الحدود الجنوبية، عبر الصحراء والمناطق النائية، وصولاً إلى السواحل الشمالية حيث يتم تحميلهم على قوارب متجهة إلى أوروبا.

وتشير التقارير إلى أن المجموعات المسلحة في ليبيا تستفيد مالياً من هذه الأنشطة، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في البلاد، في وقت توسعت دائرة الهجرة بعد الاضطرابات في الشرق الأوسط والشمال الإفريقي.

ولم تعد تقتصر الهجرة على تدفقات القادمين من إفريقيا، بل زادت مع تصاعد النزاعات في سوريا وفلسطين، وأوجدت الفوضى السياسية نقطة جذب للمهاجرين الفارين من الحروب والنزاعات في بلادهم، لكن الجنسيات الإفريقية بقيت الأعلى حسب المنظمة الدولية للهجرة.

وأكبر خمس جنسيات للمهاجرين في ليبيا هم من دولة النيجر بنسبة 25%، مصر بنسبة 24%، والسودان بنسبة 18%، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 600,000 مهاجر ينتمون إلى أكثر من 44 جنسية متواجدون حالياً في ليبيا.

أزمة سياسية بامتياز

إن قراءة المعطيات التي تقدمها المنظمة الدولية للهجرة توضح أن الهجرة غير الشرعية في ليبيا هي أزمة سياسية إفريقية بالدرجة الأولى، فالاضطرابات والنزاعات المسلحة ضمن الحزام الإفريقي من السودان وصولاً إلى مالي يشكل عمق أزمة الهجرة، بينما تبدو ليبيا ضمن النطاق الخاص بتقديم الدعم اللوجيستي لشبكات التهريب التي “توطنت” نتيجة الاضطراب السياسي من 2011، ويمكن ملاحظة مسألتين أساسيتين في معالجة هذه المسألة:

  • الأولى هي التركيز على المعالجة المشتركة مع دول الاتحاد الأوروبي في عمليات ملاحقة التهريب ضمن مياه المتوسط، فالتعاون الدولي خلق عملياً جبهة ما بين جنوب وشمال المتوسط، وقام بمحاولات مكافحة الهجرة في خط النهاية في أوروبا، بينما من المفترض أن تبدأ من العمق الإفريقي.

بالتأكيد فإن الاتحاد الأوروبي لا يبدو مكترثاً بخطوط الهجرة غير الشرعية في نقطة انطلاقها، فهو ينظر إلى النزاعات المسلحة ضمن إطار دولي عام، لكن المسألة تبدو أعقد من نقطة وصول المهاجر إلى أوروبا.

وحركة الهجرة النشطة هي نتيجة تراكم سياسي وليست فقط نتيجة النزاعات المسلحة التي تُفاقم الوضع، فالهجرة بدأت نتيجة عمليات “الإفقار” للقارة الإفريقية منذ زمن طويل والتي كانت الدول الأوروبية اللاعب الأكبر فيها.

  • الثاني مرتبط بالوضع الليبي بشكل مباشر، فمسائل الهجرة يتم استخدامها لتسليط الضوء على الأزمة السياسية الليبية، ولخلق نقاط اتصال للمصالح الأمنية المختلفة مع أطراف ليبية هي في الغالب خارج أي شرعية سياسية ليبية.

الأبعاد الإنسانية للهجرة غير الشرعية عبر ليبيا تشكل الصورة الأخيرة لتاريخ سياسي إفريقي خلقته المصالح والاستثمارات للشركات الأوروبية بالدرجة الأولى، فالمشكلة المركبة لهذه الظاهرة تبدأ وتنتهي بالسياسات الغربية، وبقدرة التحالفات والمنظمات الإفريقية على رسم سياسات جديدة لا تحد من النزاعات فقط، بل ترسم أيضا استراتيجيات تنمية مختلفة نوعياً عن السابق وبعيدة عن الاستثمارات الكبرى للشركات العالمية.

مبادرات سعودية مصرية جديدة لحل النزاع السوداني وتسوية الأزمة الإنسانية

اقرأ المزيد